مثل ما اعتادا كل يوم عند العودة من العمل، يترجلا من المواصلات قبل الشارع الذي يسكنان به ويسيروا بجانب النيل في محاولة يائسة لتنشق بعض الهواء النظيف. كالعادة يمتلئ الطريق بالصراع بين أصوات أشباه الموسيقى المُنبعثة من المراكب التي يزدحم بها النيل وبين القلة التي مازالت تحاول الإستمتاع بطبيعة النيل التي توشك على الموت تحت وطأة المبان الشاهقة والكافتيريات العائمة. لم يخل الطريق من العديد من المحبين الباحثين عن الرومانسية وكل يوم يعبران بهما ويمرون مرور الكرام، لكن في هذا اليوم تحديداً كانت تطالعهم بإهتمام أكبر ولالاحظ هو ذلك، فسألها:
- عايزة إيه منهم؟
= مين دوول؟
أشار على شاب وفتاة يتطلعان للنيل في صمت وهما متشابكين الأيدي وقال بسخرية:
- بتحسديهم ولا إيه؟
= يمكن
تفاجئ من الرد وأكمل بجدية:
- يمكن! من إمتى! طول عُمرك بتشجعي الحب وبتمبسطي لما بتشوفي اتنين بيحبوا بعض
صمتت قليلاً في شرود ثم قالت:
= ده حقيقي...بس بفكر غصب عني ساعات...أنا ليه مش زيهم؟ ليه معنديش حد يحبني وأحبه؟ حد اتسند عليه ويطبطب عليا لما أبقى مضايقة؟ حد يطمني ويقولي كل حاجة هتبقى كويسة؟
توتر قليلاً من تلك المصارحة ورد مضطرباً:
- كل حد فينا نفسه في كده حتى لو أنكر...بس ده مش معناه إنك عندك مشكلة أو حاجة...كل الحكاية إنك بس ما قابلتيش الإنسان ده
= ليه مش بقابله؟ ليه أنا على طول جميلة وشخصية رائعة وبس كده؟ أكيد في حاجة فيا بتقفل الناس مني
توقفت ونظرت للنيل ولمح في عيناها لمعة تدل على بداية الدموع، فإقترب منها وبضحكة قصيرة عصبية قال:
- يا ستي ما ناس كتير لسه ما قابلتش حبها...ما متلقح جنبك أهو...شايفاني غرقان في الغرام يعني
تطلعت له طويلاً ونظرت لعيناه بكل جرأة وقالت:
= طيب ما أنا قدامك أهو...ليه ما حاولتش معايا؟ قريبين من بعض بقالنا 3 سنين...مفكرتش فيا ليه
إتسعت عيناه ذهولاً من ردها وجرأتها، لم يتوقع بأي حال من الأحوال أن يكون هذا ردها، إرتبك كثيراً، أشاح بنظره بعيداً عن عيناها الواسعتان الجريئتان، صمت ثقيل أحاط بهما لكنه قطعه بتنهيده طويلة، نظر هو هذه المرة لعيناها بجرأة أكثر وقال:
- مين قالك إني مفكرتش فيكي؟ أنا بفكر فيكي من يوم ما عرفتك...أنا اصلاً مش مع حد عشان أنا عايز أبقى معاكي
إنتقلت الصدمة لها وإحمرت وجنتاها خجلاً، ظلت مترردهة لكن ليس كثيراً وفي خفوت قالت:
= طيب وساكت ليه؟ ما بتحاولش معايا ليه؟ ما بتبينش أي حاجة ليه؟
- عشان خايف من رد فعلك...عشان الطريقة إللي بتبعدي بها أي حد بيقرب منك بالشكل ده...أي حد يفكر بس يحاول معاكي بتصديه وبتبينيله إن ده حاجة مش في بالك وإنه مفيش أمل إنه يفكر....لدرجة إن أنا شكيت إنك في حد بتحبيه حب من طرف واحد وعايشه على أمل مزيف إن القدر ممكن يجمعك به...فبدل ما أخسرك وتبقي بعيدة عني...إستحملت إنك نص بعيدة...رضيت بنص وجود...أه دي حاجة تعيسة وأنا مش مبسوط...بس كانت أهون عليا من إنك ما تبقيش في حياتي
كانت الدموع الصامتة بدأت بالفعل تشق طريقها على وجهها، ونظراتها له تتأرجح ما بين الصدمة ولوم النفس، كم هي قاسية وموجعة الحقيقة، والمشاعر الأن تتقلب بعنف بين الفرح والحزن والصدمة والندم والعتاب، وجهت نظرها للأرض في عجز عن مواجهة أي شيء حتي صفحة النيل خوفاً من أن تعكس حتى صورتها، مد يده ورفع وجهها لينظر لها ويبدأ في تردد في مسح دموعها بيده، لم تبد أي مقاومة وعيناها تشجعه على المضي في إحتواء حزنها بينما تطالعهم النظرات الفضوليه وتعليقات طائشة ما بين إستغفار وتهكمات مراهقين.
بعد أن هدأت قليلاً قالت في خفوت:
= على فكرة....أنا كمان بفكر فيك...أنت الحب إللي من طرف واحد وكنت بصد أي حد عشانه
كاد قلبه أن يقفز خارج صدره وكان على وشك أن يحتضنها في وسط الطريق لكن لم يستطع لأن حسب المجتمع فهذا فعل فاضح يضايق عادتنا الملتزمة كما أن الشيخ أكد على أن هذا حرام حرام حرام.
دون تردد إلتقط يداها بين يديه، كانت مشدودة في توتر ولكن سرعان ما دفء المشاعر ساعدها على أن تسترخي وتسكن يده في سعادة وإطمئنان.
تذكر كل هذا وهو يوقع على أوراق الطلاق من زوجة أخرى، ويسأل نفسه مراراً وتكراراً، لماذا لم ينجحا معاً؟ لماذا إنفصل كل منهما عن الأخر وبعنف وذهب ليتزوج ويكمل حياته مع أخر؟ هل لشدة الحب الذي كان بينهما؟ أحياناً كثرة الشيء تفسده، حتى الحب. أم إنه لم يكن حب ولكن مجرد إحتياج لشريك؟ وقع أوراق الطلاق في نفس الوقت التي كانت هي تبكي في صمت في شرقة منزلها بعد المشاجرة اليومية مع زوجها وتذكرته، وتذكرت تلك اللحظة، وسألت نفسها، كيف كانت ستكون حياتي إذا كنت أكملتها معه؟ وتظل الأسئلة التي بلا إجابات تمارس عملها بأن تؤرق المضاجع وترهق البال وكل يبكي على ليلاه.